الغزالي
144
إحياء علوم الدين
من الحسد في الدنيا والآخرة جميعا . بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين ، إلى مضيق سجين . ولذلك وسم به الشيطان اللعين ، وذكر من صفاته أنه حسد آدم عليه السلام على ما خص به من الاجتباء ، ولما دعي إلى السجود استكبر وأبي ، وتمرد وعصى فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل ، ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء ، ويتحاسدون على رؤية البساتين ، التي هي جزء يسير من جملة الأرض ، وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ، ولكن السماء لسعة الأقطار وافية بجميع الأبصار ، فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا فعليك إن كنت بصيرا ، وعلى نفسك مشفقا ، أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ، ولذة لا كدر لها ، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله عز وجل ، ومعرفة صفاته وأفعاله ، وعجائب ملكوت السماوات والأرض . ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضا . فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة الله تعالى ، ولم تجد لذتها ، وفتر عنك رأيك ، وضعفت فيها رغبتك فأنت في ذلك معذور ، إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع ، والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين . فكذلك لذة المعرفة ، يختص بإدراكها الرجال * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله ) * « 1 » ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم ، لأن الشوق بعد الذوق ، ومن لم يذق لم يعرف ومن لم يعرف لم يشتق ، ومن لم يشتق لم يطلب ، ومن لم يطلب لم يدرك ، ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين * ( ومن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَه ُ شَيْطاناً فَهُوَ لَه ُ قَرِينٌ ) * « 2 » بيان الدواء الذي ينفى مرض الحسد عن القلب اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل . والعلم النافع لمرض الحسد ، هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين ،
--> « 1 » النور : 47 « 2 » الزخرف : 36